غياب للمواصفة والمدقق والمخبر.. ومستهلك محكوم بأسواقه!! آلاف القطع والتجهيزات الكهروإلكترونية والكهروتقنية دخلت الأسواق السورية، حتى غدا المستهلك اليوم- كما يبدو- أمام تعددية الخيار عند شراء التلفاز أوالكمبيوتر وتجهيزات الاتصال والأدوات الكهربائية المنزلية، وبتنا نشاهد جهاز تلفاز ملوناً بألفي ليرة وجهاز مسجل بمئتي ليرة وكمبيوتراً محمولاً بعشرة آلاف ليرة؟!.
خبراء الاقتصاد لايجدون في هذا الإغراق للأسواق انفتاحاً.. إنما استنزاف لجيب المستهلك وخزينة الدولة بالمحصلة النهائية، لجهة أن هذه التقانة الرخيصة ما هي إلا خردة أو نفايات الكترونية لمبرر عمرها القصير وعدم قابليتها للإصلاح.. ودليلهم في ذلك المثل الشعبي المعمول به عند ذوي الدخل المحدود «لست غنياً لأشتري غرضاً رخيصاً».
مستوردنا يستورد .. وهذا صحيح ولكن ماذا يستورد.. محركات غسالات ومكيفات معاد تعميرها وإصلاحها ومن ثم ضخها في الأسواق على أنها جديدة.. أما أدوات كهربائية تخالف قرارات وزارة الكهرباء وتوصياتها التي لم تطبق في موضوع استيراد تجهيزات كهربائية غير مسرفة في استهلاك الطاقة؛ ولكن من يأبه؟!.
المشكلة متشعبة لا تقف عند حدود التاجر المستورد، إنما تتعداه إلى عدم وجود المواصفة السورية التي تفرض الحد الأدنى من المواصفات على المستوردات.. وإن وجدت غاب المدقق.. وإن وجد المدقق لن يفيد في شيء لعدم توافر المخبر لفحص تطابق المواصفة مع المنتج.. وثلة من المشاكل التي يدفع ثمنها نهاية المطاف مستهلك محكوم بأسواقه؟!.
¶ ولا على بالنا
أعربت الهند التي تعتبر الدولة الأولى عالمياً في الصناعات الرقمية، عن قلقها من تكدس المخلفات الإلكترونية فيها، علماً بأنها تستطيع إعادة تصنيع هذه المخلفات ومن ثم تصديرها لبلدان العالم الثالث، أو إلى البلدان النامية التي لا يهتم تجارها إلى موضوع الجودة والمواصفة، حالنا نحن طبعاً.. حيث أغرقت أسواقنا بمنتجات إلكترونية معدومة المواصفات، لاتمتاز بالجودة والنوعية، حتى غدت تقانة تباع على البسطات شأنها في ذلك شأن المسكة والبسكوت والسلع الخفيفة.. طبعاً كالعادة يلام مستهلكنا لإقباله على هذه المنتجات دون ملامة تاجرنا الذي لم يعد يستورد إلا المنتجات الخفيفة ذات العمر القصير غير القابلة لإعادة إصلاحها وتعميرها.
الغريب أن مبررات هؤلاء التجار حاضرة مقولبة وجاهزة، كأن يقول أحدهم، وهو مستورد للأثاث المنزلي الصيني :«لانستورد التجهيزات الصينينة الجيدة، لأن سعرها غالٍ.. ولا تناسب الحالة المعاشية والاقتصادية للمواطن، ونستعيض عنها بأنواع من الدرجة الثالثة والرابعة والخامسة»؛ طبعاً السيد المستورد أعرب عن ارتياحه لعدم وجود من يراقب.
وآخر من مستوردي السيراميك، يتحفنا، فيقول :« نستورد سيراميك إيطالي، وهو فعلاً من إيطاليا.. ولكن لا يستعمل فيها لأنه بصراحة يعتبر «ستوك»، ولكنه مناسب لمستهلكنا من حيث السعر والشكل».
أما قطاع الاتصالات الذي فاقت أجهزته عدد سكان سورية، فهو لا يخضع لمواصفة محددة باعتراف هيئة المواصفات السورية، إنما ترك لحاجة الأسواق ومعادلة العرض والطلب، كما ترك لمستهلك مطلوب منه أن يتدبر أمره في ظل غياب الخيارات، ليس بين الجيد والسيئ، إنما بين السيئ والأسوأ، يقول تاجر موبايلات على سبيل المثال :« سابقاً وعند بداية دخول هذه التقانة، كانت ذات ماركات عالمية ومستوردة من بلد المنشأ الأساسي مباشرة، حيث كان المستهلك يقتني جهازاً يدوم لسنوات، وهو أمر لايرضي تاجرنا الذي يريد بضاعة عمرها قصير على مبدأ ( استعمل و ارمِ)، ومن بعدها تم إدخال أجهزة من دول متعددة وبأسعار غير موجودة إلا في البلدان المشابهة لنا، واليوم لا يمضي على الجهاز الذي تشتريه بعشرة آلاف، أسبوعان حتى يتراجع سعره إلى النصف لجهة أن التاجر يعتمد في أسواقنا على صفقات البيع السريعة، بمعنى ضخ كمية كبيرة بأسعار عالية، ثم خفض الأسعار للنصف، ومن ثم إرداف الأسواق بمنتج جديد وهكذا». إذاً المستورد يجد نفسه وصياً على المستهلك ومتفهماً لحاله، لذا يستورد له ما يلائمه من المنتجات.. فماذا يقول المستهلك؟!.
¶ الغالي «سعرو فيه»
المستهلك جرب وخلص إلى نتائج أن «الغالي سعرو فيه»، ويضيف آخر :« نحن وحدنا من يدفع الضريبة، فالتاجر يهمه أن تكون البضاعة سيئة وذات عمر قصير، فهذا يعني استمراراً في الطلب وزيادة في الاستهلاك، ونهاية المطاف أرباح مضاعفة من جيوبنا، والجهات الرقابية لا مانع لديها من دخول هذه المنتجات تحت مبرر انفتاح الأسواق، طالما أنها تحقق عوائد ضريبية أكثر جراء تزايد استيراد التجار.. فمن يأكل العصي ليس كمثل من يحصيها».
وجاءت ردة فعل مستهلك آخر سلبية حيال حماية المستهلك، بقوله:» ما أكثر الدعوات التي توجه لنا من حماية المستهلك لمقاطعة البضائع الرديئة الغالية الثمن، غير المطابقة للمواصفات، كما نوصي بمقاطعة البضائع الرخيصة السيئة؛ فمن أين نشتري إذاً؟.
هذه أسواقنا وحالها في سوء المنتجات واحد، طالما أن التاجر المستورد هو الموزع لكل المحافظات والأسواق.. لماذا لاتقوم هذه الجهات في دورها لجهة حماية المستهلك وتوفير أكبر كمية ممكنة من السلع أمامه، بحيث تكون التعديدية حقيقية لا وهمية».
بعد كل ما تقدم، نخلص إلى أن أسواقنا ومرتاديها من الزبائن يعانون من استنزاف مالي، وغياب مؤسساتي، وعدم حماية، ولكن من يأبه؟!.
¶ أمر عادي جداً
يقول عماد الأصيل، مدير حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد :«عملية استيراد السلع، سواء كانت أسعارها رخيصة أم متوسطة أم مرتفعة، فهذا أمر عادي جداً.. طالما أنها دخلت من المنافذ الحدودية للبلاد، وأما الأمر غير العادي هنا، هو أن يضلل البائع المشتري في مواصفات وجودة هذه البضائع. أما في حال إغرائه المستهلك بمدى جودتها وميزاتها تعتبر الحالة صحية ولايوجد مشكلة».ويضيف الأصيل :« نقوم بدور توجيهي توعوي، حيث ندعو المستهلك إلى قراءة بطاقة البيان وطلب الفاتورة والكفالة والنظر في قيمة المنتج، فإذا ماكانت المادة رخيصة الثمن وبخسة نحبذ على المستهلك عدم شرائه لها.
دورياتنا تقوم بعملية سحب العينات
تنفذ دوريات حماية المستهلك، عملية سحب عينات من التجهيزات الإلكترونية ولكن من خلال دوريات عادية غير مختصة فنياً في عملية المطابقة، نتدارك هذا الأمر من خلال التنسيق مع وزارة الصناعة، كونها تملك فنيين ومخابر بما يخص الأجهزة الكهربائية وهناك تنسيق كامل بين وزارتي الاقتصاد والصناعة في هذا الموضوع، يقول الأصيل :«نحن نصادر كل السلع المخالفة للمواصفات إن كانت غذائية أو غيرها.. حال الأدوات الكهربائية والإلكترونية، وعليه وفي حال وجود السلع مرفقة ببطاقة بيان صحيحة تشير إلى مكونات السلعة، فلا سلطة لنا عليها وتعتبر مطابقة.. أما إذا كانت بطاقة البيان مخالفة للمواصفات، فهذا الغش بحد ذاته ونحاسب عليه. طبعاً، لدينا في وزارة الاقتصاد مخابر جيدة، تتمتع بجاهزية تامة وتقانة عالية الدقة، ولدينا فنيون مختصون بالتحليل الجرثومي والفيزيائي والكيميائي والاختصاص الذري للمواد الغذائية وغير الغذائية بشكل عال جداً، ولكن في موضوع الأدوات الصناعية نستعين بمخابر وزارة الصناعة وفنييها في إطار التعاون والتنسيق الكامل ما بين الوزارتين». ويختم الأصيل كلامه بقوله :« المستهلك رب العمل لكونه يدفع قيمة السلع .. ورب العمل يختار من السلع ما يشاء».
للصناعة رأي
مديرة التخطيط في وزارة الصناعة، ريم حللي، تجد أن وزارة الصناعة غير مسؤولة عن الخردوات الالكترونية أو الكهربائية لجهة أنها مرت على مديرية الجمارك وتمت الموافقة عليها من قبل وزارة الاقتصاد. أما بالنسبة إلى المراقبة، فنحن بصدد التعاقد مع شركات مراقبة دولية، دورها التحقق من جودة مواصفات المنتجات الواردة إلى سورية، وحالياً ندرس هذه العقود لتنفيذها ولكن المسألة تحتاج إلى بعض الوقت.
وأفاد مصدر في غرفة الصناعة :« لا يمكن حجر أي منتج أو منعه من الدخول إلى سورية بقرار حكومي، ومشكلة المنتجات الموردة إلينا والتي لاتمتلك أدنى مواصفات الجودة، فهذه المشكلة قابلة للحل بالتدقيق والإشراف
أيضاً يكمن الحل بإيجاد ( BLACK LIST) وتعني مجموعة من البضائع أو المصانع التي يمنع استيراد أي منتج منها لسوء مواصفاته أسوة ببعض الدول الأخرى».
¶ هيئة المقاييس .. ترفع مسؤوليتها عن الأمر
وفيق الجردي، مدير هيئة المواصفات والمقاييس العربية السورية:« ما يخص الأدوات الكهرباء والإلكترونية، منها منتجات لها مواصفات والأغلبية لا يوجد لها مواصفات.. وعليه اعتمدنا في هذا الأمر قرار وزارة الكهرباء والصناعة باعتماد مواصفات اللجنة الدولية الكهروتقنية كمواصفة سورية.
معنى ذلك أن المنتجات التي لها مواصفات يعتبر أمرها محلولاً والأخرى اعتمدت وفق اللجنة الدولية، لتأتي من بعدها مسؤولية الجهات الرقابية التي تشرف على تطبيق المواصفة، فهي المسؤولة عن إدخال هذه الأجهزة ومطابقتها لكون إجازة الاستيراد تحدد مواصفة المنتج.. ولا يوجد دور لنا في موضوع مراقبة الأسواق أو مراقبة دخول البضائع..
أيضاً نعتمد في موضوع مطابقة مواصفات الأدوات المكتبية والهندسية على مواصفات (آي إي سي) ولكن لا يطبق منها شيء لعدم وجود مخبر للمطابقة، وإحداثه مكلف جداً ويتطلب تجهيزات ضخمة جداً، وقد يكون تعدد الجهات الرقابية هو ما يعيق وجود مثل هذا المختبر، لذا لابد من دمج المخابر وتوحيدها».
ويضيف الجردي :«الهيئة تقبع اليوم على إرث من 3800 مواصفة سورية، وهو أمر ليس باليسير، كما لدينا نشرة بعشرة آلاف مادة كهربائية وإلكترونية، قسم منها محدد بمواصفة والقسم الآخر نعتمد فيه المواصفات الدولية أو مواصفات بلد المنشأ، وحتى النشرة الفنية للمعمل، ويبقى هناك عدد من المنتجات لايوجد لها مواصفة وتدقيق حال ألعاب الأطفال وحبيبات البلاستيك وبعض الملونات والأجهزة الالكترونية وقطاع الاتصالات والموبايلات».
زودت وزارة الكهرباء هيئة المقاييس والمواصفات بنسخة عن القرار رقم 670 الصادر عام 1981 الذي تقرر فيه:« تعتمد وزارة الكهرباء والجهات التابعة لها نظام اللجنة الدولية الكهروتقنية في تحديد المواصفات والشروط الفنية العائدة لمشاريعها الكهربائية والتجهيزات المستعملة فيها»؛ وقبله عام 1979 كان هناك القرار رقم 11 الصادر عن وزارة الصناعة – مركز الاختبارات والأبحاث الصناعية وقرر ما يلي :« تطبق مواصفات اللجنة الدولية الكهروتقنية في القطر السوري بالنسبة للاستيراد والإنتاج والاستثمار المحلي في مجال الكهرباء وذلك في جميع المجالات التي لا تتعارض فيها المواصفات الخاصة الأخرى السارية المفعول في القطر في تاريخ هذا القرار. ونؤكد على آخر ماورد في هذا القرار وهي عبارة « في تاريخ هذا القرار» الذي مضى على صدوره 31 عاماً ولم يعد يتماشى مع حال العالم الاقتصادي بشكل عام وحالنا بشكل خاص؟.
طيارة : الهيئة ضعيفة وقراراتها غير مسموعة
من جانبه، وزير الصناعة الأسبق، الدكتور غسان طيارة، يجد أن أي شكل من أشكال التجهيزات الالكترونية المفروض أن يكون لها مواصفة وتدقيق .. ولكن مكمن الإشكال، ومنذ أكثر من سبع سنوات، ينطوي على عدم التنسيق بين وزارتي الاقتصاد والصناعة لعدم وجود من يقول هذه المواصفة صح أو خطأ..
ويشير إلى أن وزارة الكهرباء أوجدت قانوناً بعدم السماح بإدخال تجهيزات كهربائية ما لم تكن مدققة ومطابقة لنورم الاقتصاد في استهلاك الطاقة..
يقول :« كانت هيئة المواصفات ومركز الاختبارات إدارة واحدة، ثم تقرر الفصل بينهما، بحيث يختص المركز في العمل المخبري .. والهيئة في وضع المواصفات .. وعند الفصل لم يطبق هذا الأمر بدقة، وبالتالي فحص هذه الأجهزة بتقانة مخبرية متواضعة، عملية صعبة ولا أعتقد خلال الفترة القادمة سنكون قادرين على ذلك».
¶ تاجرنا.. تاجر آخر زمان
من تجربة الخبير الاقتصادي سعد بساطة، يقول :« تفترش قارعـة الطريق معـدات كهربائية بأسعـار بخسة، وذات منشأ آسيوي، ومرة دبت الحمية لأسأل البائع بحيرة إذا تعـطـّل الجهاز بعـد دقائق فما دوري؟ أجاب بلا تردد: من هون لبردى... أي ببساطة، لاضمانة، ولاضامن، وبالتالي فالفئة محدودة الدخل والتي تشكـّل غـالبية مشتري هذه التجهيزات تقع في فخ شراء تجهيزات بلا ضمانة، وبالتالي تضيـّع أموالها طمعـاً في السعـر الرخيص.
سورية بلد مستورد، لاسيما في ما يتعـلـّق بالإلكترونيات وبعـض التجهيزات المنزلية، كنا نتصور أنّ أيـّة بضاعـة ذات منشأ صيني – مثلا ً- هي ذات نوعـية متدنيـّة..ولدهشتنا نرى أنّ ذات الدول تصنـّع وتصدّر للغـرب تجهيزات بنوعـية أفضل وضمن مواصفات جيدة، تعـتني بالمستهلك، وتراعـي الأمن والأمان!!
¶ أين المشكلة إذاً؟
ببساطة إنـّها تاجر آخر زمان – الذي يرغـب في التشاطر - والذي يبغـي تحقيق أكبر قدر من الأرباح، والانسحاب من السوق قبل أن ينكشف، وبالتالي فهو يتعـامل بأنانية ودون شعـور بالمسؤولية، ويساعـده في ذلك ضعـف جمعـيات حماية المستهلك، غـياب التجارة الداخلية ( التموين سابقا ً)، وعـدم وجود مواصفة للكثير من المواد، وتراخي الجمارك في بعـض الحالات..
يظن بعـضهم أنّ تعـبير سوق مفتوحة هي مرادف للفلتان والتسيـّب!! وهذا خطأ جسيم، فليس هنالك أكثر انفتاحا ً من أسواق الغـرب، ولكنها تراعـي مصالح وحقوق المستهلك لأقصى الحدود، وتتابع المستورد والتاجر، والمصنـّع، وتجبرهم عـلى اتباع سويّات عـالية بالنسبة للأمان، والجودة.