في عام 2008 طرحت مدينة دمشق وحدها 475 ألف طن من النفايات الصلبة، أي بمعدل 1300 طن يوميا، وهذا الرقم في ارتفاع مستمر وقد يصل إلى أكثر من ألفي طن يومياً (حسب معلومات وزارة الإدارة المحلية ) وبجردة حسابية بسيطة، يمكن التقدير بأن كميات النفايات التي تطرح على مستوى سورية قد تصل إلى عشرة أضعاف هذا الرقم وهو الأمر الذي يشكل عبئاً اقتصادياً يثقل كاهل الحكومة وميزانيات البلديات ومجالس المدن، حيث جبال القمامة التي راحت تستعمرالمزيد من الأراضي الزراعية في مختلف المحافظات والمناطق السورية، وتنتشر على أطراف البلدات والقرى بغياب أية شروط صحية أو بيئية.
اليوم ثمة توجّه عالمي جديد شعاره «نفايات اليوم هي خامات الغد»، بمعنى أن التعامل مع النفايات الصلبة (القمامة) يمكن أن يتحول إلى صناعة تدرّ أرباحاً على الحكومة، بدلاً من كونها عبئاً اقتصادياً وبيئياً يثقل كاهلها ويكلفها ملايين الليرات كل عام.
ليس جديداً تماما
قبل نحو 30 عاماً، حدد المجلس الاستشاري في المجموعة الأوروبية المفهوم الجديد للتعامل مع النفايات عالمياً، وبين أن الهدف الجوهري من أي نظام معتمد للتخلّص من النفايات الصلبة هو حماية الصحة العامة وصحة البيئة، على أن يضم هذا النظام عمليات جمع النفايات ونقلها ومعالجتها وتخزينها أو التخلّص منها، بالاضافة إلى تحفيز الاستفادة قدر الإمكان من المواد الأولية الموجودة في النفايات المعالجة وذلك بهدف الحفاظ على المصادر الطبيعية للمواد الأولية.
يقول المهندس محمود عيسى المختص بالشؤون البيئية، إن المنشآت الحديثة في معظم دول العالم تستفيد من القمامة كمصدر للطاقة من خلال عمليات الحرق النظامية، علماً بأن درجة الفعالية المستفادة أحياناً لا تزيد على 40%، وهذا يعود إلى نسبة المواد القابلة للحرق في النفايات الصلبة وإلى نظام الحرق المتبع، هذا إلى جانب أنه ليس للإحراق أي مزايا واضحة بالنسبة للبيئة، بل إنه يثير في بعض الأحوال مشاكل بيئية، وحالياً ـ وبحسب عيسى ـ يطبق نظام المعالجة بالتسميد كطريقة مفيدة للاستفادة من المواد والمكوّنات العضوية الموجودة بنسبة عالية في القمامة، ولكن هذه الطريقة لا تعالج ـ بحسب دراسات يؤكدها عيسى ـ أكثر من 3% من النفايات المتجمّعة مقارنة بالطرق الأخرى المستخدمة كالطمر الصحي أو الحرق، حتى إنه يُعتقد بأن أكثر من ثلث منتوجات الأسمدة في ألمانيا يتم طمرها دون الاستفادة منها.
وإذا كانت الدول المتقدمة قد سبقتنا بأشواط في تطبيق النظم والقواعد المتعلقة بالنفايات الصلبة، أين وصلنا نحن من ذلك، وأي مراحل أو أشواط قطعناها على طريق التعامل الصحيح مع النفايات الصلبة، وأي عوائق تعترض تطبيقاً سليماً لهذه الأسس.
دمشق ومعضلة النظافة
مع تزايد عدد سكان دمشق ودخول مواد جديدة في القمامة المنزلية، باتت مسألة تحقيق النظافة في المدينة معضلة من المعضلات التي تواجهها هذه المدينة، ليس لارتفاع كمية المخلّفات البيئية والصناعية واحتياجات ترحيلها من آليات وعمال فحسب، وإنما لأنها تحتاج إلى مساحات شاسعة من الأرض لتخصيصها كمقالب للقمامة، وحتى مع وجود معمل لتصنيع هذه المخلّفات يبقى هذا المعمل عاجزاً عن استيعاب كامل الكميات المطروحة رغم كل الجهود التي تبذلها كوادره على مختلف مستوياتها. وتبين كمية النفايات المطروحة خلال السنوات الخمس الماضية مدى صعوبة إدارتها بشكل فعّال، ما لم يتم اتخاذ العديد من الإجراءات والمشاريع. ففي عام 2000 طرحت دمشق 330 ألف طن من القمامة، وفي عام 2001 طرحت 347 ألف طن، ثم وصل الرقم إلى 358 ألف طن عام 2002 و381 الف طن عام 2003، و386 ألف طن عام 2004، فيما تجاوز الرقم عتبة الـ 450 ألف طن في عام 2008. ورغم الاهتمام المتواصل من قبل مديرية النظافة ومحافظة دمشق في ترحيل الحاويات وكنس الشوارع ضمن الإمكانات المتاحة. لكنَّ الواقع عن قرب، وبعد الغوص في التفاصيل، يبدو كالإعجاز؛ لأنَّ 30 سيارة قمامة هي موجودات مديرية نظافة دمشق، 10 منها معطلة أو قيد الإصلاح. وحسب وصف السيد وليد جحا مدير نظافة مدينة دمشق، فإنَّ هذه الآليات تجاوز عمرها 30 عاماً، ويضيف جحا: يوجد في مدينة دمشق 20 سيارة قمامة عمرها 30 عاماً، وأغلبها يعمل 24 ساعة في اليوم. وإذا قسمنا عدد سكان دمشق الذي نفترض أنه 3 ملايين نسمة، فإنَّ حصة كل 150 ألف مواطن سيارة قمامة واحدة، بينما الأرقام العالمية تشير إلى وجوب تخصيص سيارة قمامة واحدة لكل 10 آلاف مواطن!!
مقالب دمشق
يتم التخلص من القسم الأعظم من النفايات التي يتم جمعها في مكبات مفتوحة موجودة على حدود مدينة دمشق، ويعتبر الحرق غير المشروع للنفايات في المكبات عملية شائعة ويتم القيام بها من أجل إنقاص حجم النفايات والتحكم بالحشرات والقوارض، أو للتمكن من استرجاع المواد غير القابلة للاحتراق كالمعادن. ولا تحوي أي من هذه المكبات على وسائل للتحكم بالغازات المنطلقة أو لجمع الرشاحة الناتجة ومعالجتها. كما لا توجد أي عملية ضبط لأصناف النفايات الخطرة .
تتم تغطية مكبات النفايات في بعض المدن بالتربة من حين لآخر وذلك بهدف تحسين الشروط البيئية. وتملك مدينة دمشق المعمل الوحيد لتحويل النفايات العضوية إلى سماد وهو معمل الجارونية الذي يعالج النفايات الصلبة وفق الطرق الحديثة للتخلّص منها بتحويلها إلى سماد عضوي محسّن للتربة، وبجواره حفر فنية لردم النفايات الفائضة عن حاجة المعمل، كما تم إنشاء محارق خاصة لمعالجة نفايات المستشفيات وحرقها وفق الأصول الفنية ومن ثم ردم بقايا الحرق بشكل فني، وكانت استطاعة المعمل تبلغ 700 طن يومياً لكنها انخفضت بعد سنوات من إنشائه لتصل اليوم إلى 250 طناً يومياً، حسب قول مدير المعمل موريس حداد، وهو ما يبتعد كثيراً عن الرقم الذي تنتجه دمشق من القمامة والذي يقدر بـ 1300 طن يومياً. ويردّ حداد السبب إلى قدم عمر المعمل وغياب قطع التبديل التي يستعاض عنها بقطع محلية الصنع وبحسب مدير معمل ـ فإن العمل جارٍ حالياً لإنشاء معمل جديد في دمشق يغطي ما تنتجه من القمامة بطاقم كامل واستطاعة تتجاوز الـ ألف طن يومياً، مع العلم أن دراسة المشروع بدأت منذ عدة سنوات لكن يعود حداد ليؤكد أن التأخير في الدراسة مرده إلى محاولة الاستفادة التامة من الأخطاء والسلبيات في المعمل الحالي.
إلا أن أهمية المعمل تبدو في المردود الاقتصادي الذي يحققه من عدة نواحٍ أهمها: إنتاجه من السماد العضوي والذي بلغ 36 ألف طن عام 2008، ويباع كل 1م3 من السماد بـ 240 ليرة سورية وبما يحقق عائداً سنوياً بملايين الليرات، كما تم تعهد المقلب لمتعهد خاص بعقد لمدة خمس سنوات بمبلغ مليونين ومئة وستين ألفاً، ويحقّق المعمل كذلك من رسوم التفريغ مبالغ تتفاوت سنوياً ما بين المليون والمليونين ونصف المليون ليرة .
كما يحقق معمل الجارونية واردات أخرى من بيعه كميات من الحديد بعد فرزه وكبسه في حاويات خاصة وبيعه إلى معمل حديد حماة، لكن حتى الآن لم يتم إحداث طرق فنية لاستخلاص غاز الميتان الناتج عن تخمّر القمامة في المقلب القديم. ويردّ حداد السبب بقوله : نحن بانتظار توقيع العقد مع الشركات المختصة باستخلاص ومعالجة هذا الغاز. مضيفاً: باشرنا بمدفن للنفايات الخطرة (مخلّفات المعامل الكيميائية) وهو عبارة عن غرف معزولة كاملة على النظام الياباني الحديث.
وتتجه إدارة المعمل في ما يتعلق بالنفايات الطبية بعد أن أصبح نظام المحارق قديماً إلى اعتماد نظام (الأوتوغليف) أي التعقيم والذي يقوم على فرم النفايات الطبية وتعقيمها بالبخار وبدرجة حرارة عالية لقتل البكتيريا.
ورغم طموحه ورغبته في تحقيق مردود اقتصادي جيد، إلا أن حداد يعترف في النهاية بأن هذا النوع من الأعمال يبقى في الإطار الخدمي الذي تتكفّل الدولة بدفع مبالغ طائلة عليه لا يمكن أن تحصّل سوى الجزء اليسير منها عبر الرسوم والنشاطات الأخرى على اختلافها.
تجربة القطاع الخاص
دخلت شركة «إيفركلين» على خط إدارة النفايات الصلبة كأول تجربة للقطاع الخاص من هذا النوع في سورية عبر إنشائها محطة فرز نفايات، ويقول مديرالشركة يحيى عويضة: وضعنا سياسة تتمثل في (إدارة النفايات)، وتتضمن ثلاثة أهداف؛ بيئي واجتماعي واقتصادي نسعى من خلالها إلى تحقيق شعارين، الأول هو شعار التنمية المستدامة، والشعار الآخر كان تحت عنوان «نفايات اليوم خامات الغد»، ومن هذا المنطلق، أسست الشركة لإنشاء أول محطة فرز نفايات عملية في سورية والمنطقة باستطاعة يومية قدرها 500 إلى 700 طن أي نحو 25 % من نفايات ريف دمشق، أما الهدف البيئي ـ بحسب عويضة ـ فيتحقق من خلال تخفيض حجم النفايات بحدود 75% إلى الربع فقط، وهذا بدوره يؤدي إلى خفض حجم الأراضي المطلوبة لطمر هذه النفايات، وكذلك تخفيض الآثار السلبية على البيئة بسبب استعادة المواد العضوية وإعادة تدويرها وتخفيف انتشار الأمراض والأوبئة نتيجة إدارة النفايات بشكل صحيح.
أما الهدف الاجتماعي، فيتحقق من خلال تشغيل اليد العاملة في المنطقة (120) عاملاً وتثبيت هؤلاء العمال في أراضيهم، وهذا نوع من مكافحة البطالة مع تسجيلهم في التأمينات.
ويتحقق الهدف الاقتصادي من خلال استرجاع ما نسبته 75% من النفايات المتولّدة وإعادة استخدامها بالطرق المثلى، حيث يتم استرجاع 55 إلى 60% من حجم النفايات (عضوية) و15% من حجم النفايات (قابلة للتدوير كالزجاج والبلاستيك والألمنيوم والحديد ومعادن أخرى).
وهذا ـ بحسب عويضة ـ أدى إلى خلق 11 صناعة جانبية تعتمد على هذه المنتجات، وهذا يحقّق دخلاً للبلد، فإذا كانت قيمة الـ 75 % هي 200 ألف ليرة قيمة مواد مسترجعة، إذا قُدّر الكيلو غرام الواحد بـ 5 ليرات سورية وكان حجم النفايات الواردة 500 طن وبالتالي وعبر عملية حسابية بسيطة سيكون مردود الـ 400 طن المسترجعة يومياً مليوني ليرة سورية يومياً.
مطمر حمص.!
يعود مطمر حمص إلى خمسين سنة خلت، حين كان عبارة عن مكبّ عشوائي في منطقة دير بعلبة وتمّت إعادة تأهيله في عام 2001، وحالياً توصّل مجلس مدينة حمص إلى إجراء عمليات الطمر الصحي، وهو أول مشروع طمر صحي في سورية. يقوم على تشكيل طبقات عزل مع شبكة رشاحة ومعالجتها مع بناء منظومة لمعالجة الانبعاثات الغازية، لكن هل يحقق هذا المشروع مردوداً ربحياً لمحافظة حمص، مع العلم بأن رسم النظافة في سورية نحو 125 ليرة سورية وسطياً.
يقول خبير معالجة النفايات الصلبة عبد اللطيف موسى : إن هذا الموضوع لا يمكن أن يعطي أرباحاً، فإدارة النفايات الصلبة، إن تمت بشكل ناجح، فستكون مجدية اقتصادياً إلى أبعد الحدود، إنما بشكل غير ملحوظ، معتبراً أن الأمر بيئي بحت؛ لأن ظهور أي مرض نتيجة للتلوث الكامن في النفايات يكلّف الكثير من الجهود والأموال، إنما الجانب الاقتصادي الذي يجب النظر فيه هو استرداد أكبر قيمة من التكلفة، فالتكاليف السنوية لعمليات النظافة وإدارة النفايات الصلبة في حمص تُقدر بـ 300 مليون ليرة، في حين لا يتم جباية أكثر من 5 ملايين ليرة
تبقى كل الخطوات التي تحققت على صعيد إدارة النفايات الصلبة في سورية خلال الأعوام السابقة دون الحدّ المطلوب، ورغم وجود بعض التجارب الناجحة، ما زال هذا القطاع بعيداً عن إمكانية تحقيقه أرباحاً وإيرادات كما هي الحال في دول أخرى، وتقف في وجهه العديد من المشكلات والصعوبات ذات علاقة بالتمويل والعنصر البشري والنظرة إلى هذا العنصر بشكل دوني