سيريابيلد

 

    

 
 
الصفحة الرئيسية> مقالات وأبحاث
 
14-03-2009
فاتنة شامي - تشرين

التاريخي التراثي في مدننا؟ ولماذا نحافظ عليه؟

تؤكد كل المكتشفات الأركيولوجية منذ نشأ هذا العلم حتى يومنا هذا أن منطقة الشرق الأوسط العربي هي المهد الأكيد الذي شهد ولادة المدن الأولى في التاريخ.

 

هذه المدن ومنذ الألفية الرابعة قبل الميلاد تميزت بأنماط من «التنظيم المديني» خاصة عند نهري دجلة والفرات والى الشمال في منطقة الوسط بين النهرين، وفي الألفين التاليين انتشر هذا «التنظيم المديني» في معظم أرجاء المنطقة فنشأت مدن كانت عواصم لتنظيمات اقليمية مثل (سومر..بابل..ايبلا..) وأخرى تجارية على الشاطئ الكنعاني الفينيقي في جبيل..اوغاريت..صور..ليصل الى المدن المعابد في وادي النيل.. بعض هذه المدن تحول الى أطلال لكن حالات من الاستمرار العنيد لاتزال تشاهد اليوم في بعض المناطق ، منها نموذج من السكن انتشر خلال العصور القديمة في كل أرجاء الشرق الأوسط العربي (البيت المكعب المنظم)، ومع انتشار الاسلام وما رافقه من ازدهار مديني أرسى في حياة الناس تعاليم وقواعد عامة للسلوك قامت عليها حياة مدينية جديدة جسدت طابعاً مميزاً لما ستكون عليه المدن العربية الاسلامية، والتي تألقت في القرنين العاشر والحادي عشر الميلاديين تميزت بصفات ثلاث:

 

 

1 ـ أنها نماذج لمدن تاريخية قطعت مع النماذج المدينية القائمة في زمنها وأسست لنماذج مدينية جديدة واضحة الأصالة. ‏

 

2 ـ أجزاء هامة منها استمرت عبر التاريخ ووصلتنا بخاصياتها رغم كل التحديات ‏

 

3 ـ الناس يعيشون اليوم في هذا الاطار التاريخي الموروث..إنها أمكنة مميزة للسكن وللنشاط الاجتماعي المتعدد الأوجه. ‏

 

هذا ما أكده الاستاذ المعمار رهيف فياض مدير مؤسسة الدراسات المعمارية والمدنية في بيروت واستاذ التصميم المعماري في معهد الفنون الجميلة بالجامعة اللبنانية في المحاضرة التي ألقاها بمكتبة الأسد ضمن سلسلة أربعاء تريم الثقافي الذي يقيمه مركز تريم للعمارة والتراث وتديره المهندسة ريم عبد الغني بعنوان « ماهو التاريخي والتراثي في مدننا؟ ولماذا نحافظ عليه؟ ‏

 

أين نحن..؟ ‏

 

أين نحن؟..من نحن؟ تتساءل المهندسة عبد الغني.. ماهو الارث الذي سوف نتركه لأجيالنا القادمة؟... ماهو نمط البناء ونوع الزخارف...؟ الغرب بدأ يدرس نمط البناء العربي القديم الذي يحمل قيما جمالية وقيما اجتماعية تجسدها الجدران ...ونحن مازلنا ننبهر بهم ونتبع اسلوبهم...يخططون لنا لننس هويتنا.. وأين نحن؟ويخططون لأنفسهم تاركين هويتهم وبصمتهم لأجيالهم. ‏

 

وتضيف: قد يعتقد البعض أننا عندما نتحدث عن التراث فهذا يعني فقط أننا نتحدث عن قلاع وقصور وأوابد نهتم بها من أجل السياحة أو أننا عندما نتحدث عن دمشق أو حلب القديمة أو غيرها من المدن العربية القديمة يعني أننا نتحدث عن بيوت فقط نهتم بها ونرممها أيضاً من أجل السياحة... ‏

 

نعم..نحن في المركز نهتم بكل هذا ونؤكد على آثارنا كما نؤكد على تراثنا..على عمارتنا لأن هذا التراث القديم هو هويتنا.. شوارع مدننا القديمة المتعرجة أحيانا والمستقيمة أحياناً أخرى تؤكد أصالة بنائنا وتراثنا المعماري الأصيل.. البيوت الواسعة والمتلاصقة والمتشابكة تحمل في طياتها نسيجاً اجتماعياً متكاملاً... لهذا فإن بيوتنا وعمارتنا تحمل قيمنا...عاداتنا...تقاليدنا..أفكارنا..وهي جزء من ذاكرتنا رضينا أم لم نرض.. نرى ونشاهد الآن عمارات بلا روح...فهل يستطيع الانسان أن يعيش بلا روح؟... نريد أن نمزج بين فن البناء الهندسي الغربي وأصالة وروح الأفكار المعمارية الاسلامية لنسهم في التأكيد على حضارتنا الاسلامية ونعزز دورنا في الحضارة الانسانية المعاصرة لنصبح جسراً ثقافياً وفنياً يمتد عبر المكان والزمان فينقلوه عنا ونكون نحن وسيلة تواصل مع ثقافات العالم وفنونها. ‏

 

التراث والتراثي ‏

 

في محاضرته يبين الأستاذ فياض أن التراث هو مانرثه من الأجيال السابقة والتراث الحضاري هو مجموع ماورثناه من منجزات مبنية، ومن أفكار ومفاهيم وتقاليد تشهد كلها على نظرة من سبقونا الى الحياة وموقفهم منها: ‏

 

التراث المادي (مبان وأدوات ومنقولات...) التراث المعنوي الروحي (الذي انطبع في وجدان الناس)والتراث المديني المعماري (وهو الارث الحضاري لمجتمع موضحاً أن المدينة والعمارة مرآة المجتمع وتجسيداً له وهما وثيقة تاريخية وحقيقة ثقافية مشيراً الى أن البتراء ـ قلعة حلب ـ الأهرام آثار) أما المدينة القديمة مثل دمشق ـ القاهرة ـ حلب ـ صيداء... أجزاء مدينية تاريخية بامتياز مبيناً أن التغيير في المفاهيم المتعلقة بتعريف التراث لم يعد حكراً على المنشآت الاستثنائية التي تحتل موقع النخبة في فعل البنيان... ولم يعد معالم فردية وصروحاً مميزة بل أصبح أيضاً مجموعات من المباني تم الحفاظ عليها بقرار أو بالصدفة، وهي تشكل بذاتها، شهادة بليغة على طرق البناء، وأنماط العيش في مدن وأرياف الأزمنة السابقة. ‏

 

الأجزاء التاريخية والكولونيالية ‏

 

المؤكد أنه مع قرابة الألفية الميلادية الأولى يبين الأستاذ فياض أنه كان في الوطن العربي المجموعة المدينية الأكثر عدداً في العالم.. انتقلت إلينا أجزاؤها كما كانت عليه عند تشييدها حاملة معها تحولات مدينية متواصلة لا قطع فيها، تميزت هذه الأجزاء التاريخية بخاصيات عديدة هي ثمرة تكاملها مع بيئتها الطبيعية والثقافية...خاصيات الأصالة والانتماء التي لاتزال واضحة إلى الآن، مشيراً الى أن الاحتلال الكولونيالي أراد هدم هذا النظام المديني وتلك الركائز وقطع بشكل فج التطور الطبيعي لمدننا الذي استمر متكاملاً مع بيئتها الطبيعية والثقافية قروناً وأسقط فوق النسيج المبني التقليدي تنظيماً مدينياً مستورداً صممه منظمو المدن الذين جاؤوا معه، وبعد الاستقلال وباسم الحداثة واللهاث وراءها لجأت السلطات الوطنية الى منظمي مدن من البلدان التي كانت تستعمرنا والذين جاؤوا حاملين مخططات ليبدؤوا استعماراً من نوع جديد ويحولوا مدننا الى محرقة يقيمون فوقها مدناً تنقلنا بزعمهم (الى جنة الحداثة) والتي مازلنا الى اليوم نلهث للحاق بها وان بعد سقوطها لكن المقاومة المحلية العنيدة انتصبت واستطاعت أن تحد من النتائج الكارثية لهذه المخططات وتمت المحافظة على أجزاء هامة من مدننا التاريخية وسجلت في لائحة التراث المبني العالمي... ‏

 

قيم مجسدة...وما يشعرون ‏

 

يؤكد الأستاذ فياض أن الأجزاء التاريخية في مدننا هي تراثية بامتياز وجزء هام من ارثنا الأصيل يحمل قيماً متعددة مبيناً وموضحاً: ‏

 

1 ـ القيمة الجمالية وأهمية الحفاظ على الجمال الذي يختزنه.. ‏

 

2 ـ القيمة التاريخية..أن نمحي من ذاكرتنا وذاكرة الانسانية جمعاء صفحات ضرورية لفهم هذه الذاكرة وتقديرها لأن كل تصرفاتنا ترتكز على ثراء ذاكرتنا. ‏

 

3 ـ القيمة المدينية والمعمارية.. في التنظيم المديني تلتقي عبقرية التأليف مع عبقرية المكان فتنتج هذا الكل المتكامل ونطلق عليه التنظيم المديني التقليدي ـ التراثي ـ العمارة التقليدية التراثية. ‏

 

4 ـ القيمة الاجتماعية..الحفاظ على النسيج المبني التاريخي التراثي يعني: انتماء..اطمئنان.. توازن. ‏

 

5 ـ القيمة الرمزية.. قيمة الذاكرة الجماعية للناس ـ قيمة الهوية والانتماء. ‏

 

6 ـ القيمة التعليمية... يرى التنظيم المديني المسمى (ثقافوي) أنه للتوصل الى ماهو جديد وجيد لمجتمعاتنا العربية في هذا المجال علينا البحث في ماهو قائم في التنظيم المديني الموروث لا لننقلها ولكن لنتعلم منها ولنوسع قدراتنا على الاختيار والابداع في آن. ‏

 

7 ـ القيمة الاقتصادية..حول هذه القيمة يشرح الأستاذ فياض مطولاً مبيناً أن الآثار والتراث هما الركيزة الأساسية التي تقوم عليها السياحة التي هي مصدر لاينضب لدخل مباشر وغير مباشر، كما أن أعمال الترميم والصيانة تحافظ على المهارات الموجودة وتخلق فرص عمل جديدة تحافظ على الحرف التقليدية وعلى منتجاتها وتجعل منها منتجاً اقتصادياً مربحاً.. ‏

 

ويوضح الأستاذ فياض لذلك نحن ندافع عن هذا التراث ونجهد للمحافظة عليه بالوسائل كلها لإطالة حياة هذا الارث الثقافي الهام ونمنع تدهوره بسبب الظروف المناخية أو تصرفات الناس ونهتم بابراز قيمته الحضارية وحضوره في الثقافة الانسانية ونجعله موضع عناية وقائية مستمرة وكل مايحوطه في المكان وفق منهج المحافظة على هذا الارث الثمين من أي تغيير قد يهدده وترميمه وتأهيله واعادة استعماله. ‏

 

أخيراً ‏

 

يؤكد الأستاذ فياض أن الحفاظ على التراث ليس موضة أو لعباً، لأنه الاستجابة لحاجة انسانية أساسية...واذا أصبح الانسان عبر الزمن انساناً عاقلاً فذلك حدث لأنه يمتلك ذاكرة يستعين بها لأنها مصدر المخيلة والخلق والابداع.. واذا أردنا أن يستمر الانسان في مسيرته على درب العقل فمن واجبنا الحفاظ على شواهد الماضي.


 
 
:: المرفقات

 
 
  ما رأيك؟ 

هل تستخدم ألوان مختلفة في دهان جدران منزلك؟
نعم
لا

 
 
  الفيديو »
 المزيد

Review www.syriabuild.com on alexa.com


    
© 2008-2009 syriabuild.com. A syriabuild.com Company.
    All Rights Reserved.